تُعد جريمة التزوير من الجرائم التي تمس الثقة في المحررات والوثائق وحجيتها النظامية، لما يترتب على تغيير الحقيقة من تضليل قد يؤثر في الحقوق والمراكز القانونية. ولهذا نظم المشرّع السعودي صور التزوير وطرق ارتكابه، وحدد الأحكام المترتبة عليه وفق طبيعة الفعل ومحل الجريمة.
وتكتسب معرفة أركان جريمة التزوير في النظام السعودي أهمية خاصة عند تحديد مدى قيام المسؤولية الجنائية؛ إذ لا يكفي مجرد وجود تغيير أو اختلاف في محرر للقول بوقوع التزوير، وإنما يجب النظر إلى طريقة تغيير الحقيقة، والقصد المصاحب للفعل، ومحل التزوير، وما تكشف عنه الأدلة والظروف المحيطة بالواقعة.
ما أركان جريمة التزوير في النظام السعودي؟

تقوم جريمة التزوير في النظام السعودي على تغيير الحقيقة بإحدى الطرق التي تدخل في نطاق التجريم، بسوء نية وقصد الاستعمال فيما يحميه النظام، متى كان من شأن ذلك إحداث ضرر. لذلك، لا يكفي مجرد وجود اختلاف أو تعديل في محرر للحكم بقيام التزوير.
-
الركن المادي لجريمة التزوير
يتمثل الركن المادي في السلوك الذي يؤدي إلى تغيير الحقيقة بإحدى الصور التي يشملها النظام، سواء تعلق ذلك بإنشاء محرر أو تحريفه أو تعديل محتواه أو غير ذلك من طرق التزوير.
ويجب التمييز بين ارتكاب فعل التزوير واستعمال المزور؛ فقد لا يكون الشخص الذي استعمل المحرر هو من قام بتزويره، ويُحدد الوصف القانوني بحسب الفعل المنسوب إليه ومدى علمه بالتزوير.
-
الركن المعنوي لجريمة التزوير
يرتبط الركن المعنوي بسوء النية وقصد استعمال المزور فيما يحميه النظام؛ فلا يكفي مجرد وقوع تغيير في الحقيقة إذا كان ناتجًا عن خطأ أو سهو لا تتوافر معه الإرادة اللازمة لقيام الجريمة.
-
محل جريمة التزوير
يجب أن يتعلق فعل التزوير بمحل تشمله الحماية النظامية، مثل المحررات والأختام والعلامات والطوابع. كما لا يقتصر مفهوم المحرر على المستند الورقي، بل يمتد وفق تعريفه النظامي إلى ما يتضمن حروفًا أو علامات ينتقل بقراءتها معنى معين، بما في ذلك ما يتم من خلال وسائل تقنية المعلومات.
كيفية إثبات جريمة التزوير
يعتمد إثبات جريمة التزوير على مجموعة الأدلة والقرائن التي تكشف عن وقوع تغيير في الحقيقة، ونسبته إلى المتهم، ومدى توافر القصد الجنائي. وتختلف وسائل الإثبات بحسب طبيعة المحرر وطريقة التزوير وظروف كل قضية.
- المحررات والمستندات:
تُفحص المستندات محل الاشتباه ومقارنتها بالأصول أو بالمحررات الصحيحة ذات الصلة؛ للكشف عن أي تغيير أو إضافة أو حذف أو تحريف. - الخبرة الفنية:
قد تستدعي طبيعة الواقعة الاستعانة بخبير لفحص الخطوط أو التوقيعات أو البصمات أو الأختام وغيرها من العناصر الفنية المرتبطة بالمحرر. - الأدلة الرقمية:
إذا ارتبطت الواقعة بمحررات أو بيانات إلكترونية، فقد يكون للأدلة الرقمية والسجلات التقنية والمراسلات ذات الصلة دور في التحقق من كيفية إنشاء المحرر أو تعديله ونسبته إلى أطراف الواقعة. - الشهادة والإقرار:
قد تسهم أقوال الشهود أو إقرار الشخص في إثبات بعض وقائع القضية، وتُقدّر هذه الأدلة إلى جانب بقية الأدلة المتاحة. - القرائن والظروف المحيطة:
يمكن الاستدلال من الملابسات المرتبطة بالواقعة والتصرفات السابقة أو اللاحقة عليها، متى كانت ذات صلة، في تكوين الصورة الكاملة عن الواقعة والقصد المصاحب لها.
ولا يعتمد ثبوت جريمة التزوير في النظام السعودي على دليل واحد بالضرورة، بل يُنظر إلى الأدلة والقرائن مجتمعة ومدى كفايتها لإثبات الفعل ونسبته إلى المتهم وتوافر العناصر اللازمة للمسؤولية.
النظام الجزائي لجرائم التزوير في السعودية

ينظم النظام الجزائي لجرائم التزوير صور تغيير الحقيقة والأفعال المرتبطة بها، ويحدد نطاق المسؤولية بحسب طبيعة الفعل ومحل التزوير والظروف المحيطة بالواقعة. وتشمل الحماية النظامية المحررات والأختام والعلامات والطوابع وغيرها مما يدخل في نطاق النظام.
ومن أبرز ما ينظمه:
-
مفهوم التزوير وطرق ارتكابه
يحدد النظام مفهوم التزوير والطرق التي يمكن أن يقع بها تغيير الحقيقة، ومنها الإنشاء والتقليد والتحريف والإضافة والحذف والإبدال وغيرها من الصور المجرّمة.
-
صور جرائم التزوير
تختلف صور التزوير بحسب طبيعة محل الجريمة، سواء تعلق الأمر بمحرر أو خاتم أو علامة أو طابع، وما يرتبط بكل صورة من أحكام.
-
استعمال المزور
تمتد المسؤولية إلى استعمال ما تم تزويره متى توافرت الشروط النظامية لذلك، ومن أبرزها علم الشخص بالتزوير.
-
الشروع والاشتراك
تشمل أحكام النظام الشروع في جرائم التزوير، وكذلك صور الاشتراك فيها بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة.
-
الأحكام المرتبطة بالجريمة
ينظم النظام الجزاءات المقررة لصور التزوير المختلفة، إلى جانب عدد من الأحكام المرتبطة بالمصادرة والإعفاء من العقوبة وانقضاء الدعوى الجزائية.
أنواع التزوير في السعودية
تتعدد أنواع التزوير في السعودية بحسب طريقة تغيير الحقيقة ومحل التزوير، ومن أبرز صورها:
- إنشاء محرر أو خاتم أو علامة أو طابع غير صحيح:
ويشمل إنشاء ما لا أصل له، أو تقليد الأصل، أو تحريفه بما يظهره على خلاف حقيقته. - وضع توقيع أو بصمة أو خاتم على محرر:
ويكون بإضافة توقيع أو بصمة أو خاتم أو علامة أو طابع غير أصلي أو مقلد أو محرّف إلى محرر قائم. - الحصول على توقيع أو بصمة بطريق الخداع:
وذلك بالحصول على توقيع أو بصمة صحيحة على محرر باستخدام الخداع. - تغيير محتوى المحرر:
ويشمل الإضافة أو الحذف أو التبديل أو الإتلاف الجزئي متى أدى ذلك إلى تغيير مضمونه. - التلاعب بالصورة الشخصية:
ويكون بتغيير الصورة المثبتة في المحرر أو استبدال صورة شخص بصورة شخص آخر. - إثبات واقعة غير صحيحة أو إغفال واقعة واجبة:
ويشمل إدراج معلومات غير صحيحة وإظهارها كأنها صحيحة، أو إغفال واقعة يجب إثباتها مع العلم بذلك. - إساءة استعمال التوقيع أو البصمة على بياض:
وتتحقق باستغلال توقيع أو بصمة سُلّمت على بياض على سبيل الأمانة واستخدامها على خلاف الغرض المخصص لها.
الفرق بين التزوير المادي والتزوير المعنوي
يظهر الفرق بين التزوير المادي والتزوير المعنوي في كيفية تغيير الحقيقة؛ فالأول يطال المحرر بصورة مادية، بينما يتعلق الثاني بمضمونه وما يثبته من بيانات أو وقائع.
- التزوير المادي:
يقع بإحداث تغيير ملموس في المحرر، مثل الإضافة أو الحذف أو التبديل أو التلاعب بالتوقيع أو الخاتم أو غير ذلك من صور التغيير المادي. - التزوير المعنوي:
ينصب على مضمون المحرر عند إنشائه، كإثبات واقعة غير صحيحة في صورة واقعة صحيحة، أو إغفال واقعة واجبة، دون اشتراط وجود تغيير مادي ظاهر في المحرر.
متى ينتفي القصد الجنائي ولا تقوم الجريمة؟

يتطلب قيام التزوير النظر في القصد المصاحب للفعل ومدى توافر سوء النية وقصد الاستعمال. ولذلك قد يؤثر انتفاء العلم أو الإرادة في قيام المسؤولية بحسب ظروف كل واقعة.
-
الخطأ أو السهو غير المقصود
إذا وقع تغيير الحقيقة نتيجة خطأ مادي أو سهو في تحرير البيانات دون اتجاه الإرادة إلى ارتكاب التزوير، فقد ينتفي القصد اللازم للجريمة.
-
انتفاء العلم بحقيقة البيانات
قد يؤثر عدم علم الشخص بعدم صحة البيانات التي قام بإثباتها أو التعامل معها في توافر القصد الجنائي، متى أيدت الأدلة والظروف المحيطة بالواقعة ذلك.
-
انتفاء قصد استعمال المزور
يرتبط التزوير بقصد استعمال ما تم تزويره فيما يحميه النظام، ولذلك يعد التحقق من هذا القصد جزءًا مهمًا من تقييم المسؤولية.
ولا يكفي مجرد ادعاء الخطأ أو حسن النية لنفي المسؤولية، بل يُحدد ذلك في ضوء الأدلة والملابسات المحيطة بكل واقعة.
دور المحامي في جريمة التزوير في النظام السعودي
يؤدي المحامي دورًا مهمًا في قضايا التزوير، بداية من تحليل الواقعة والأدلة، وصولًا إلى تحديد المسار القانوني المناسب وتمثيل موكله أمام الجهات المختصة.
- دراسة الواقعة:
تحليل تفاصيل القضية وتحديد طبيعة الفعل، والتمييز بين ارتكاب التزوير واستعمال المحرر المزور أو غيرهما من الأوصاف القانونية المحتملة. - فحص الأدلة:
مراجعة المحررات والتوقيعات والمراسلات والقرائن، وتقييم مدى الحاجة إلى الخبرة الفنية للتحقق من صحة المستند محل النزاع. - تقييم المسؤولية:
دراسة مدى توافر عناصر جريمة التزوير، ومدى ثبوت القصد الجنائي ونسبة الفعل إلى المتهم في ضوء الأدلة المتاحة. - إعداد الدفوع:
صياغة المذكرات والدفوع القانونية بما يتناسب مع وقائع القضية، ومناقشة الأدلة والاعتراض عليها متى وجد أساس نظامي لذلك. - اختيار الإجراء:
تحديد الإجراء القانوني الأنسب بحسب طبيعة الواقعة ومرحلة القضية والصفة القانونية للموكل. - التمثيل القانوني:
متابعة الإجراءات وتمثيل الموكل أمام جهات التحقيق والمحاكم المختصة، وتقديم الطلبات والمذكرات والمستندات اللازمة.
وللحصول على دعم قانوني متخصص في قضايا التزوير، يمكن الاستعانة بـ مكتب المحامي سعد بن عبدالله الغضيان للمحاماة والاستشارات القانونية لدراسة الوقائع والمستندات، وتقييم الموقف القانوني، واختيار الإجراءات والدفوع المناسبة وفق الأنظمة المعمول بها في المملكة.
متى تسقط جريمة التزوير في السعودية؟
يُستخدم تعبير سقوط جريمة التزوير بصورة شائعة، بينما الأدق قانونيًا بحث مدى انقضاء الدعوى الجزائية وفق الأحكام النظامية المقررة.
-
مضي المدة المقررة نظامًا
قد تنقضي الدعوى الجزائية في جرائم التزوير بمضي المدة المحددة نظامًا، مع وجود حالات مستثناة تخضع لأحكام مختلفة.
-
صدور حكم نهائي
تنقضي الدعوى الجزائية بصدور حكم نهائي فيها، مع مراعاة الحالات التي تجيز فيها الأنظمة الاعتراض أو إعادة النظر.
-
وفاة المتهم
تُعد وفاة المتهم من أسباب انقضاء الدعوى الجزائية العامة، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء ما قد يرتبط بالواقعة من حقوق خاصة.
-
العفو في الحالات التي يشملها
قد تنقضي الدعوى الجزائية العامة بالعفو متى شمل الواقعة وفق الضوابط النظامية المقررة.
شروط دعوى التزوير الأصلية
تختلف دعوى التزوير الأصلية عن الادعاء بالتزوير الذي يُثار أثناء نظر دعوى قائمة؛ إذ تتعلق بمن يخشى الاحتجاج عليه مستقبلًا بمحرر يدعي تزويره، فيلجأ إلى القضاء وفق الإجراءات النظامية المقررة.
- وجود محرر يُخشى الاحتجاج به:
ترتبط الدعوى بوجود محرر يدعي الشخص تزويره ويخشى أن يُستخدم مستقبلًا في الاحتجاج عليه. - توافر مصلحة في رفع الدعوى:
يجب أن تكون هناك مصلحة قائمة ومعتبرة في منع الاحتجاج بالمحرر محل الادعاء. - اختصام الأطراف المعنيين:
تُوجَّه الدعوى إلى من بيده المحرر ومن يستفيد منه وفق الإجراءات النظامية ذات الصلة. - اتباع إجراءات رفع الدعوى:
تُرفع الدعوى وفق الإجراءات المقررة، مع تقديم ما يدعم الادعاء وتمكين المحكمة من التحقق من حقيقة المحرر.
أما إذا كان المحرر قد قُدم بالفعل في دعوى قائمة، فإن الأمر يدخل في الادعاء بالتزوير أثناء نظر الدعوى، والذي يخضع لإجراءات تتناسب مع هذه الحالة.
عقوبة التزوير وفق الأنظمة السعودية

تختلف عقوبة التزوير في السعودية بحسب نوع التزوير، وطبيعة المحرر أو الخاتم أو العلامة محل الجريمة، وصفة مرتكبها وغيرها من الاعتبارات التي ينظمها النظام؛ لذلك لا توجد عقوبة واحدة تطبق على جميع صور التزوير.
-
تزوير المحررات الرسمية
تخضع المحررات المنسوبة إلى الجهات العامة أو موظفيها لأحكام تتناسب مع طبيعتها وصفة مرتكب فعل التزوير.
-
تزوير المحررات العرفية
يشمل النظام كذلك تزوير المحررات العرفية، وتختلف الأحكام المقررة لها عن بعض صور التزوير التي تقع على المحررات الرسمية.
-
التزوير المرتكب من موظف عام
أفرد النظام حكمًا خاصًا للموظف العام الذي يزور محررًا يدخل تحريره ضمن اختصاصه، بالنظر إلى صفته وصلته الوظيفية بالمحرر.
-
تزوير الشهادات والمحررات ذات الطبيعة الخاصة
ينظم النظام صورًا خاصة تتعلق ببعض الشهادات والتقارير والمحررات ذات الطبيعة المحددة، ويختلف الحكم بحسب نوع الوثيقة والفعل المرتكب.
وبوجه عام، يتطلب تحديد العقوبة المقررة دراسة الوصف الدقيق للواقعة ومحل التزوير وصفة مرتكبه والأفعال المنسوبة إليه.
الأسئلة الشائعة
1. ما المقصود بالتزوير في النظام السعودي؟
هو تغيير الحقيقة بإحدى الطرق التي يشملها النظام، يقع بسوء نية وقصد الاستعمال فيما يحميه النظام، ويكون من شأنه إحداث ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي.
2. ما أركان جريمة التزوير في النظام السعودي؟
يرتبط قيام الجريمة بثبوت تغيير الحقيقة بطريقة تدخل في نطاق التجريم، وتوافر سوء النية وقصد الاستعمال والضرر المعتبر، وفق وقائع القضية وأدلتها.
3.هل الخطأ في المحرر يعد تزويرًا؟
ليس كل خطأ في محرر تزويرًا؛ إذ يجب التحقق من طبيعة التغيير والقصد المصاحب له ومدى توافر العناصر اللازمة للمسؤولية.
4. كيف يتم إثبات جريمة التزوير؟
يعتمد الإثبات على ظروف كل قضية، وقد تدخل فيه المحررات والمراسلات والقرائن والشهادة والإقرار والخبرة الفنية وفحص التوقيعات أو البصمات أو الخطوط بحسب الحالة.
5. هل يُعد استعمال محرر مزور جريمة إذا لم يقم الشخص بتزويره؟
قد تترتب مسؤولية مستقلة عن استعمال المزور متى توافرت شروطها النظامية، ومن أهمها علم الشخص بالتزوير.
6. هل وجود محرر مزور يكفي لإدانة من يحوزه؟
لا يكفي مجرد وجود المحرر أو حيازته للجزم بالمسؤولية؛ إذ يجب تحديد الفعل المنسوب إلى الشخص ومدى علمه بالتزوير والأدلة المرتبطة بالواقعة.
7. هل تختلف المسؤولية باختلاف نوع المحرر؟
نعم، تختلف الأحكام المطبقة بحسب طبيعة المحرر أو محل التزوير وصفة الفاعل والصورة التي وقع بها الفعل.
يتطلب تحديد مدى توافر أركان جريمة التزوير في النظام السعودي دراسة الواقعة ومحل التزوير والقصد والأدلة المرتبطة بها؛ إذ قد يؤثر اختلاف أي من هذه العناصر في الوصف القانوني والمسؤولية المترتبة على الواقعة.
وللحصول على دراسة قانونية متخصصة، يمكن الاستعانة بـ مكتب المحامي سعد بن عبدالله الغضيان للمحاماة والاستشارات القانونية؛ لدراسة الوقائع والمستندات، وتقييم الموقف القانوني، وتقديم الدعم والتمثيل القانوني المناسب وفق الأنظمة المعمول بها في المملكة.

